آفاق عربية بلا حدود

صحيفة الافق العربي الالكترونية
-- رقم الترخيص 2020/410 --

سيرة…هلال المطيري

يقول الإمام الشافعي في استمرار ذكر طيب أهل الكرم والمكارم ورسوخ آثارهم وسيرتهم في قلوب وعقول الأجيال بما قدموه من أعمال أبقت ذكراهم حية تتناولها الأجيال، فتستفيد من تجاربهم وخبراتهم وتتعلم من تاريخهم ومآثرهم:

قـد مــات قوم وما ماتت مكارمهــم.. وعاش قـــوم وهــم في النـــاس أمـوات وهذا البيت ينطبق إلى حد كبير على رجل عاش حياة مليئة بالعطاء والبذل فسطر مسيرة ناجحة لإنسان عصامي نبيل ومكافح اكتسب محبة الناس واحترامهم، صاحب إرادة قوية وعزيمة لا تفتر وإنسانية من غير حدود، حتى أصبح أسطورة زمانه وأحد رموز كويت الخير عبر تاريخها بإسهامات اقتصادية وسياسية وتربوية وخيرية لا تزال آثارها ماثلة حتى يومنا هذا، إنه المرحوم بإذنه تعالى هلال فجحان المطيري.وانطلاقا من الحرص على ترسيخ سيرة هذا الرجل وتدوين رحلته المدهشة ومسيرة كفاحه وتوثيق فترة تاريخية تمتد لأكثر من 160 عاما مضت، كانت فكرة إعداد دراسة وثائقية عن هذا الرجل الاستثنائي، والتي تكللت بالنجاح بإصدار كتاب «رجل من مهد الذهب.. هلال فجحان المطيري» دراسة وثائقية، قامت بإعدادها فريال الفريح بإشراف عادلة مساعد عبدالله الساير وبمراجعة تاريخية من يعقوب يوسف الإبراهيم.

تأريخ وتوثيق

ولم تكن هذه الدراسة كعرض لسيرة ذاتية لشخصية مجردة، وإنما يمكن اعتبارها تأريخا ومصدرا يمكن للباحثين والمهتمين اللجوء إليها للتعرف على هذه المرحلة المهمة من تاريخ الكويت وطبيعة الحياة فيها، وكيفية سير الأمور، وبشكل موثق بالصور والوثائق التي تمكن القائمون على إعداد هذا الكتاب من الحصول عليها، لاسيما الوثائق البريطانية التي شكلت واحدا من أهم المصادر التي استقوا منها كثيرا من الأحداث والمشاهد والاستشهادات حول شخصية هلال المطيري ومسيرته والتي استغرق الحصول عليها وترجمتها وتحليلها سنوات من العمل الشاق والتي تم وضعها ضمن الكتاب بنصوصها الكاملة لتكون متاحة أمام المهتمين والراغبين في الإضافة إلى ما تم تقديمه وبما يثري المكتبة العربية ويحيط بالمزيد حول شخصية هلال المطيري وأحداث تلك المرحلة فائقة الأهمية، والممتدة من بداية القرن العشرين حتى نهاية حياته عام 1938، حيث سيجد المهتم أن هلال المطيري لم يكن شخصية عادية ولا رقما تجاريا فقط في مجتمع الحياة السياسية في كويت القرن العشرين، بل كان رجلا فاعلا ومؤثرا في مجمل مجريات الحراك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي من حوله، إن لم يكن أحيانا محورا لبعض ذاك الحراك.

كلمة لا بد منها واستهلال

تقول فريال الفريح: هذا السفر الذي بين يديكم لسيرة رجل لا يمكن أن ينكره التاريخ، لا ندعي بأنه تأريخ شامل لكل سنوات هلال المطيري يوما بيوم، ولا شهرا بشهر، ولا عاما بعام، ولا هو أفضل ما سيكتب عنه، لكنه جهد ندعي بأنه صادق، نقدمه للمكتبة العربية إنصافا لرجل من رجالات الكويت الأوائل حق علينا أن نخلد ذكراه، كما لا ندعي الكمال لهذا الجهد. أما الباحث يعقوب يوسف الإبراهيم فيتساءل: من كان يتوقع لمن حاربته الأيام والليالي وهو في ملعب صباه بـ «مهد الذهب» وجعلته لا يستطيع العيش إن بقي في ذاك المهد، أن تقذفه نفس الأيام عبر مجاهل صحراء نجد وسط شبه الجزيرة العربية، وعبر كثبان الرمال إلى حيث أمواج البحر على ضفاف خليج اللؤلؤ والمحار وواهب الحياة والثروة للمحظوظين أو المبدعين في الحياة، بدا وكأنه حورية البحر وقد قذفتها الأمواج عند الساحل ولكن لحياة أخرى.. وما كان ذاك الساحل المعطاء إلا ساحل الكويت القديمة.

11 فصلاً

ويتناول الكتاب سيرة ومسيرة ذاك «الهلال» في 11 فصلا، فتضمن الفصل الأول البيئة الأولى التي نشأ فيها، ولآلئ الكويت، وأهمية مهنة الغوص في الكويت والخليج، وكيفية انتقاله من عمق الصحراء إلى قاع البحر، كذلك الأصل والموطن الأول (نسب هلال المطيري قبليا، وولادة هلال)، لننتقل بعدها إلى الظروف السياسية والاقتصادية التي تزامنت مع نشأة هلال، الذي عاش سنواته الأولى بين نقيضين، فمن بيئة صحراوية بدوية رعوية جافة بحتة قليلة الحركة إلى بيئة حضرية تجارية حية مفتوحة على ضفاف خليج ذي حركة دائمة جالبة في معظمها فرص العيش والالتحام بالمنوّع من الحضارات وهو حال الموانئ أينما كانت، وكيف أن «ابن مهد الذهب» استطاع التأقلم بشكل سريع مع التحول الذي شهدته حياته بانتقاله من عادات الصحراء وموروث تقاليدها القاسية إلى بيئة الموانئ والثغور البحرية التي يغلب عليها عنصر السلاسة والتراضي المرافق لطبيعة واحتياج العمل التجاري، وهي البيئة التي تشهد على عزيمة الفتى ورحلته التي أبحرت من خليج الكويت إلى عالم الثراء والمكانة الرفيعة.

لآلئ الكويت

وكانت الحياة في الخليج العربي تعتمد بشكل رئيسي على مهنة الغوص وتجارة اللؤلؤ كأساس لعيش أغلبية السكان آنذاك، وكانت الكويت ضمن بلدان الخليج التي لها دور في مهنة الغوص في أواخر القرن الثامن عشر، حيث كانت تدعى «القرين» وكان النشاط الاقتصادي يركز فيها على النقل البحري والقوافل البرية بفضل موقعها المتميز.ويعتبر منتصف القرن التاسع عشر وهو القرن الذي جاء فيه صاحب هذه السيرة إلى الكويت من أكثر الفترات الاقتصادية ازدهارا في موانئ الخليج بسبب تجارة اللؤلؤ ولارتباط المنطقة آنذاك بالهند حيث المركز الرئيسي لشراء اللؤلؤ وإعادة صناعته، خصوصا «بومباي»، وفي فترة حكم الشيخ مبارك الصباح ازدهرت تجارة اللؤلؤ بشكل ملحوظ وبلغت مواسم الغوص ذروتها عام 1912، والتي أطلق عليها «سنة الطفحة»، كما ازدهرت أكثر في عهد الشيخ سالم المبارك الصباح. وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أصبح هلال بن فجحان المطيري من أشهر تجار اللؤلؤ في الكويت وأطلق عليه لقب «ملك اللؤلؤ». وينتمي هلال إلى قبيلة مطير، التي كانت تنتشر في الأصل غربي شبه الجزيرة العربية، وكان موقعه على الطريق الشرقية من مدينة مكة المكرمة، وفي الحرتين الكبيرتين «الكشيب وبني عبدالله» و«بنو عبدالله» أحد بطون القبيلة، ولد في بادية الحجاز في بلدة الجريسية في هضبة الدياحين التابعة لمحافظة مهد الذهب وعاش 86 عاما حيث توفي في العام 1938.

نشأة هلال

جاءت ولادة هلال متزامنة مع فترة عصيبة من تاريخ الخليج وشبه الجزيرة العربية وعلى وجه الخصوص في نجد والحجاز، حيث أضحت منطقة وسط شبه الجزيرة بؤرة تجذرت في عمقها الاضطرابات السياسية وامتدت إلى عدة مناطق من الخليج، وقد هاجر الكثير من الناس مناطقهم ومنهم هلال وأخته حيث قصدا الكويت. ويتناول الفصل الثاني من الكتاب هجرة هلال وشقيقته من «الجريسية» إلى الكويت إثر وفاة والدته في «مهد الذهب» وما رافقها من صعاب، ونشأت علاقته كما تقول الروايات الشفهية مع البحر والغوص على اللؤلؤ عن طريق المعرفة التي ربطته بالنوخذة خليفة بوربيع الذي ضمه إلى بحارته في سفينته، وهناك رأي أنه تعرف على النوخذة سالم بوقماز، وحتى يؤمن هلال لأخته «وضحة» من يرعاها خلال رحلة الغوص الطويلة التي تقارب أربعة أشهر بعيدا عن الوطن فقد زوجها لأحد أصدقائه. ولأن طموحه كبير، فقد انتقل هلال للعمل مع النوخذة «يعقوب النشيط» بمهنة «سيب» ثم تركها ليعمل مساعدا لـ«الطواش» جاسم العصفور وتعرف على أسرار «الطواشة» وفنونها وأساليبها. ولقد تزوج هلال بعد أن تعدى الأربعين من العمر، واستأجر بيتا صغيرا في «فريج المطبة» بالحي الشرقي من المدينة، وبعد تحسن اموره المادية اشتراه من مالكه، وواصل الإقامة فيه وازداد عدد ذريته نتيجة تعدد زوجاته، كعادة معظم الميسورين في ذاك الزمن.ثم كانت له سفينته الخاصة بوم «مشهور» التي صنعها له أحد أمهر صناع السفن آنذاك حمود بن بدر، وذلك لتسهيل انتقاله وسفره داخل موانئ الخليج ومصائد اللؤلؤ أينما كانت، ثم أخذ بشراء السفن الخاصة بالغوص حتى وصل عددها 28 سفينة عام 1914. وعندما بدأت الثروة تنهال على هلال وحرصا منه على عدم ضياعها، فكر بحفظها بعيدا عن الأعين في منزله، فجهز خزانة خاصة به، وكانت عبارة عن غرفة ليس بها نوافذ بتاتا ولها باب واحد مصنوع من الحديد ومفتاحها الوحيد في يده.

بين اللؤلؤ والسياسة

أما الفصل الثالث فيتناول الأوضاع في الكويت بين الأعوام 1891 و1904، والحكم المشترك والاقتصاد الكويتي، وعهد الشيخ مبارك آل صباح وموقف تجار اللؤلؤ من الضرائب، وحكاية الطواويش الثلاثة هلال بن فجحان المطيري وشملان بن علي السيف وإبراهيم المضف 1910 ـ 1911، والهجرة السرية إلى البحرين، وموقف هلال ورفقائه، ومقابلة هلال السرية للمعتمد البريطاني شكسبير هناك، حتى الإرضاء والعودة الميمونة، بعد حل مشكلة الطواويش مع الشيخ مبارك.

العلاقة مع حكام الكويت

أما الفصل الرابع فيتناول علاقات هلال مع حكام الكويت الشيخ جابر بن مبارك آل صباح، والشيخ سالم بن مبارك آل صباح، ويتناول «دوحة بلبول، وحمض، ومعركة الجهراء والصلح»، والشيخ أحمد الجابر آل صباح، مع عدة عناوين لمسيرة هذا الرجل «هلال في أول مجلس شورى كويتي» و«إشعار رسمي للبوم مشهور»، ودانة «الدوب» بين الشيخ وهلال، ورسالة خاصة بدعم الشيخ، وهلال في رسائل اجتماعية مع الشيخ أحمد الجابر.وقد ترك بصمات واضحة في سجل أربعة من حكام الكويت. وفي الفصل الخامس نتعرف على هلال بين العقيدة والسياسة والتجارة، وأن رجلا يستدفئ بنار السياسة لا يحترق، وعلاقة هلال بحكام المنطقة، مع الملك عبدالعزيز آل سعود، والشيخ عيسى بن علي آل خليفة، والأسرة الهاشمية في العراق، ومع الشيخ خزعل حاكم المحمرة، والشيخ جاسم بن ثاني حاكم قطر. كذلك هلال والحركات السياسية، والإنجليز، وجوانب من علاقات هلال الاجتماعية والمالية والتجارية، والعلاقة مع أسرة آل إبراهيم، ومكانة هلال عند تجار اللؤلؤ في الكويت، ويوسف بن أحمد كانو، وعلاقة هلال ببعض التجار والسياسيين الأجانب. ونأتي إلى الفصل السادس (هلال بعد كساد أسواق اللؤلؤ)، والذي يتطرق إلى ثروة هلال ومكانته الاقتصادية خليجيا، ورياح الكساد العظيم حطمت أشرعة «الخشب»، ولؤلؤ آخر ينمو في الأراضي الزراعية.. بساتين من النخيل في شط العرب. أما الفصل السابع فيتحدث عن إسهامات هلال الخيرية والوطنية.

الأسرة والأصدقاء

في الفصل الثامن يمكننا التعرف على الأسرة والأصدقاء وشخصية هلال وزوجاته وذريته، وعلى شقيقته وذريتها، وعلى أصهار هلال وأصدقائه، وكذلك على شخصيته ومزاياها من التواضع، والتاجر الإنسان، والذكاء والفطنة وبعد النظر. «وفاة مليونير» هو عنوان الفصل التاسع الذي يأتي على ختام ونهاية السيرة، ليلة وفاة مليونير، والوصية والأوقاف (الوصية اللغز، وأوقاف هلال). أما الفصل العشر فيتناول شهادات في هلال، منها هلال في قصائد الشعراء، وتكريم هلال. لنصل إلى ختام الكتاب مع الفصل الحادي عشر بما تضمنه من وثائق أهمها: «هلال في الوثائق البريطانية، والنص الكامل للوثائق البريطانية». والتي تعتبر بحق مصدرا مهما وغنيا للباحثين في التاريخ وطبيعة الحياة في الكويت والمنطقة.

.. هكذا عاش في ذاكرة وطنه الكويت.. رجلا مكافحا.. بدأ من الصفر بكل ما يعنيه هذا الرقم.. عاش إنسانا أريحيا حظي بحب الناس، ساعدهم وفق رؤيته الإنسانية، ليعيش اسمه بين كل الناس عنوانا للصدق والوفاء وعشق الأرض والوطن الواحد.

* الانباء.

شارك المقال :

Share on facebook
Share on pinterest
Share on twitter
Share on reddit

أضف تعليقك

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

مقالات ذات صلة